بقلم: نور الدين صمود
سمعت خبرا، يشبه النكتة، يروى في روسيا بأسلوب طريف يتخذونه دليلا على وجوب مقاومة ظاهرة الروتين أوالبيروقراطية، ويقولون إن هذا الخبر أو الحكاية، وقعت بدايتها في العهد القيصري بروسيا، وانتهت بعد مرور فترة طويلة على قيام الثورة البلشفية سنة 1917، وذلك أن أحد رجال الشرطة الأذكياء في روسيا الشيوعية لاحظ أنه كـُلـِّف أكثر من مرة بحراسة زاوية معينة في أحد شوارع موسكو دون أن يفهم سبب حراستها، ولم يعرف ماذا يحرس فيها؟ ولم ير موجبا لوقوفه هناك، أو وقوف زملائه الذين يتعاقبون ليلا نهارا على حراستها، فأبلغ تساؤله إلى المسؤولين - وما أصعب أن يتساءل إنسان عن شيء مثل هذا في مثل ذلك العهد الذي كانوا يعيشون فيه تحت ما كان يسمى بـ«الستار الحديدي» - إذ لعل في الأمر سرًّا يجب أن يبقى مكتوما. ومن حسن حظ هذا الشرطي الذكي أنّ تساؤله وقع بين يدي مسؤول نبيه، أو على الأصح، في أذنيه، فحيّره أمرُ هذا السؤال، وهذا ما دعاه للعودة إلى الدفاتر القديمة التي وقع فيها قرار تكليف أحد رجال الأمن بالوقوف في تلك الزاوية كل يوم بالتناوب، وبعد تنقيب وتقليب طويلين في تلك الدفاتر، اكتشف أن ذلك القرار قد وقع إصداره في العهد القيصري، وسببه يعود إلى أن إحدى بنات القيصر في العهد البائد أو المباد مرت ذات يوم من ذلك المكان فرأت زهرة برية جميلة نبتت من تلقاء نفسها في تلك الزاوية، فـَراقها منظرها وخشيت، بحسها الأنثوي البريء، أن تعبث بها أيدي العابثين من السابلة، فطلبت، بسلطتها القيصرية من المكلفين بالأمن أن يكلفوا شرطيا بحراستها كل يوم، وبعد أيام قليلة، تـُقدّر بعمر الزهور، ذبلت تلك «الزهرة البرية» التي أصبحت «زهرة مدنية» لوجودها في عاصمة روسيا، ولم يعد هناك أيّ موجب لوقوف الشرطي في تلك الزاوية، لكن حراستها استمرت إلى ما بعد قيام الثورة الروسية التي اقتَلعت القياصرة من عروشهم كما اقتـُلعت تلك الزهرة من زاويتها بعد ذبولها، فقد ظل الحراس يتناوبون على حراسة ذلك الركن رغم تغيُّرِ جميع الأحوال، ولكنّ المسؤولين البيروقراطيين الروتينيين لم يُقلعوا عن تطبيق ذلك القرار الذي أصدرته ابنة القيصر، لأنه قرار سُجّل في الدفاتر الرسمية التي لا تقبل التبديل والتنقيح، كأنه سجل في «دفتر خانة»، ولأول مرة تفاقم العجب عندما عُرِف السبب.
ومن حسن حظنا أننا جميعا بدأنا نكتشف كثيرا من مظاهر الروتين في العديد من المَواطن، فصدرت الأوامر، من أعلى مستوى، في وجوب إلغاء كل هذه الظواهر الجامدة أو الروتين المحجَّر، وكل ما لا داعي لوجوده، ما دامت الحاجة لا تدعو إليها ولا ضرورة لها بل أصبح لها ضرر كبير يجب القضاء عليه القضاء المبرم، فلماذا نطلب من المواطن وثيقتين ما دامت إحداهما تغني عن الأخرى؟ مِثـْلَ أن نطلب منه تقديم «شهادة حياة» بينما هو قد جاء بنفسه لتقديم طلب يتعلق به ولا يمكن للميت أن يأتي على قدميه، وإن كنا نعرف أن الحيلة لا تُعجز كثيرا من أصحاب الحيل في هذه الحالة حتى لو طلبنا منهم شهادة وفاتهم، وهذه مبالغة قدمها الأمين النهدي في مشهد من مشاهده الساخرة بالبيروقراطية بسبب كسل الموظفين الذين يصرفون المواطنين لأتفه الأسباب، بعبارة: ارجع غدا!
وسأضرب بعض الأمثلة لهذه الروتينية التي لا تتماشى مع التقدم الذي يسعى المسؤولون في «القمة» إلى تحقيقه، ولكن بعض المكلفين في «القاعدة» يعرقلون كل ذلك للأسف، فجميل جدا أن نقضي على ازدحام المواطنين أمام شبابيك البنوك أو مراكز البريد أو التعريف بالإمضاء، وجميل أن يقتطع كل شخص تذكرة تحمل رقما يُعفيه من الوقوف في صف طويل قليلا ما ينتظم وكثيرا ما يختل بتسلل بعض الأنانيين من أعداء الانتظام وأحباء الاختلال، فالنظام جميل جدا ومظهر حضاري ممتاز، ولكن هذا لا يجوز أن يطبَّق في جميع الحالات بدون استثناء، فهل من المعقول أن تنشئ الدولة جهازا حضاريا عجيبا تعلن عنه في جميع الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة، وتعلم المواطنين مثلا بإمكانية إرسال الأموال من تونس إلى أقصى بقاع العالم والعكس ثم تُرينا المرسِلَ يكلم المرسل إليه ويقول له: ستصلك النقود بعد دقيقة من الآن، ولكننا نغفل عن أنه سيأخذ ورقة بها رقم يعرف به دوره في إيداع النقود، وعندما يعرف أن بين رقمه الذي اقتطعه، وبين الرقم الذي وقع النداء عليه في ذلك الوقت، خمسين رقما أو أكثر بكثير، أو أقل بقليل، ومعلوم أن بعض أصحاب تلك الأرقام يريد أن يدفع معلوم الكهرباء الذي سجله عداده، وبعضهم يريد أن يدفع معلوم الماء الذي استهلكه، والآخر يريد شراء طابع بريد أو تسلم رسالة مسجلة... إلى آخر ما يمكن أن يقع في مراكز البريد مثلا، فيبقى الطرف الثاني: (الحريف أو الابن أو الدائن...) في البنك الكائن في أقصى بقاع الأرض منتظرا النقود التي أعلمه الطرف الأول: (البائع أو الابن أو المدين...) بوصولها إليه بعد دقيقة، ولكنه ينسى روتين الصف، حتى يحين دور الباعث بعد ساعة أو أكثر، فكنا بذلك كمن اشترى مدفعا ليضرب به عصفورا صغيرا؟
لنأخذ في مقاومة الروتين درسا من العطار (وقبل أخذ هذا الدرس نقول العطار في تونس ليس بائع العطور، بل هو التاجر الذي يبيع ما يحتاج إليه المواطنون من اللوازم المنزلية من: ملح وسكر ومكرونة وكسكسي وشمع وكبريت إلخ إلخ وأما بائع العطور فيكتب على بابه خطأ شائعا: «عطورات» لأن كلمة «العطور» جمع، فلا فائدة في جمعها.) وأعود إلى الدرس الذي يجب أن نأخذه من العطار وليس لنا من حل لهذا المشكل إلا أن نقتدي به، فقد رأيت معظمهم وكلهم أذكياء نبهاء، فترى الواحد منهم ينظر إلى الواقفين أمام دكانه فيفهم حاجاتهم، بإشارة صغيرة منهم، مثل ذلك الشاعر القديم الذي قال في موضوع الحب أو الهوى:
حواجبنا تقضي (الحوائج) بيننا فنحنُ سكوتٌ (والهوى) يتكلمُ
وهكذا يقضي (حوائج الجميع) بسرعة ويُرضي جميع الحرفاء بحسن التصرف، فهذا يريد أن يملأ «قفة بقضْية شهر للدار» وذاك يريد أن يشتري «علبة كبريت» وذلك يريد «علبة سجائر» والآخر يطلب «شمعة» إلخ إلخ... ولو طبق ذلك العطار هذه القاعدة القانونية الذهبية التي تبدو عادلة: الأول فالأول، أي لا يمكن أن يقدم علبة الكبريت أو علبة السجائر أو الشمعة إلى طالبيها، إلا بعد أن يملأ قفة الحريف الأول لأنه جاء قبل الآخرين، لفرَّ الجميع من أمامه إلى عطار آخر يُحسن التصرف ويعرف كيف يرضي الجميع.
لقد صار من الضروري أن نجد حلا لتقديم الأوكد على الأكيد، والمبجل على المؤجل وطالبَ «الوقيدة» على صاحب «القفة» لِحَلِّ مشكلة الروتين بطريقة من الطرق؟ إذ ليس من الضروري اتباع الأولوية في كل شيء، حتى في المستشفيات فنقدم من يريد إبدال «فاصمة جرح قديم»، على من جاءت به سيارة الإسعاف ينزف دما من جراء طعنة نجلاء لا تحتمل التـأجيل، لمجرد احترام النظام والتزام الصف والأوراق التي تحمل أرقام الأولوية.؟
إن موضوع الروتين شائع في كثير من ميادين حياتنا ويحتاج إلى أكثر من وقفة، لعلنا نجد طريقة للقضاء ما فيه من روتين وبيروقراطية أو الحد منه على الأقل، وسنبدأ بالنقل وسبله ووسائله وما له صلة به، فإلى اللقاء.

http://www.alchourouk.com