* تونس (الشروق)
دخوله لميدان الصحافة والاعلام، كان منذ سنوات وتحديدا سنة 1987 حيث كانت بدايته في الصحافة المكتوبة بجريدة «الأيام»، ثم مرّ بدار «الأنوار» التونسية كما ترأس تحرير جريدة «أضواء» الأسبوعية، وخلال هذه التجربة في ميدان الصحافة المكتوبة، مرّ بتجربة إعداد برامج تلفزية كانت تقدّمها المنشطة هالة الركبي.
ورغم أهمية هذه التجربة الاعلامية والصحفية، لم يسطع نجمه، كما هو الحال خلال السنة الحالية بعد تقديمه لبرنامج «في دائرة الضوء» في السابق ثم برنامج «المسامح كريم» الذي يقدّمه منذ فترة على قناة «حنبعل» التونسية، هو الاعلامي «عبد الرزاق الشابي».
«الشروق» التقت مقدم برنامج «المسامح كريم» وحاورته عن تجربته التلفزية عموما وتجربته الناجحة في هذا البرنامج الاجتماعي، فكان تلقائيا في إجاباته، وفي ما يلي نصّ الحوار:
* في سياق هذا الكم الهام من البرامج الاجتماعية كيف تفسّر بروز «المسامح كريم»؟
ـ «المسامح كريم» جاء في سياق البرامج الاجتماعية التي انطلقت منذ أربع سنوات في التلفزيون التونسي، وقدم هذا البرنامج المشاكل التي انطلقت منذ أربعة أعوام في برنامج «في دائرة الضوء»، فذهب على عين المكان ولامس هذه الحالات وهذه المشاكل على أرض الواقع، فضلاعن أن هذه المشاكل لم تكن متناولة في السابق على شاشة التلفزيون.
* وما سرّ نجاح هذا البرنامج رغم تعدّد البرامج الاجتماعية في التلفزات التونسية؟
ـ أظنّ أن حجم الاحساس المتدفق في برنامج «المسامح كريم» وتلك العواطف والأبعاد الانسانية مع أحاسيس مقدّم البرنامج، كلها عوامل جعلت البرنامج يعبّر بصدق عن آلامنا وأحاسيسنا، وهذا سرّ نجاح «المسامح كريم» الذي غدا واحدا منّا..
* هل يمكن القول إن القضية الشهيرة (قتل الزوج لزوجته) مثلت منعرجا في مسيرة «المسامح كريم»؟
ـ القضية الشهيرة جاءت بعد أربع حصص من «المسامح كريم».. في الحقيقة، المنعرج حصل مع «أمّي تراكي» وما أثارته هذه المرأة.. المنعرج «سماح» التي رأت أمّها لأول مرة بعد 32 سنة، وكانت هذه الحلقة هي الثانية من «المسامح كريم»..
* لكن قضية قاتل الزوجة أحدثت ضجّة إعلامية كبيرة، وربما هي أهم عامل ساهم في نجاح «المسامح كريم»؟
ـ بالفعل هذه القضية أثارت ردود أفعال كثيرة سواء من المشاهدين أو داخل الساحة الاعلامية عموما، وحسب تقديري الخاص يعود الاهتمام بهذه القضية الى أنها كانت سابقة في المشهد السّمعي البصري، لأن المشاهد، لأول مرة يشاهد في الاعلام المرئي التونسي والعربي، مواطنا يحضر في أستوديو برنامج اجتماعي تلفزي ليموّه على جريمته، ويدعو زوجته الى العودة الى بيتها، في حين أنه قتلها وقام بدفنها ثمانية أشهر من قبل حضوره بالبرنامج.
* في ما مضى كانت التلفزة التونسية تقوم برامجها على المنوعات، لكن في السنوات الأخيرة ثمّة اهتمام بالبرامج الاجتماعية، ما السّبب حسب رأيك؟
ـ تراجع البرامج الفنية والمنوعات، ليس حكرا على تونس فقط، بل إن هذا التراجع في كلّ العالم العربي، وهذا يعود لكثرة الفضائيات وظهور ما يطلق عليه بتلفزيون الواقع، لكن كما برزت المنوعات في فترة، يمكن أن تكون البرامج الاجتماعية مجرّد موضة، ستتراجع بدورها يوما ما.
* حسب رأيك لماذا كل هذا الاهتمام بالبرامج الاجتماعية؟
ـ أولا مشكلة الانسان الفرد تثير الناس كمجموعة لكن تجدر الاشارة الى أن الاعلام في الماضي لم يلمس شواغل الناس ومشاكلهم لأن أصحاب المشاريع التلفزية انصبّت اهتماماتم على المنوعات ولم يهتموا بالبرامج الاجتماعية التي ظهرت مع هامش الحرية الموجود بإعلامنا.
* هل شغف المشاهد وفضوله هما سببا مشاهدته لهذه البرامج؟
ـ المواطن التونسي والعربي عموما فضولي، له نزعة حب الاطلاع، لكن من ناحية أخرى اكتشفت من خلال «المسامح كريم» أن الناس يحبون بعضهم البعض، إذ لا يمكن أن تتصوروا ردود الأفعال التي تصلنا إثر نهاية كل حصة، من المشاهدين الذين يرغبون في التطوع لمساعدة بعض الحالات التي تمرّ في هذه الحصة وهذه أهم ملاحظة تؤكد أن المواطن التونسي يحبّ التونسي أو كما يقال «التونسي للتونسي رحمة»..
* البرامج الاجتماعية موجودة بالتلفزات الأجنبية من قبل والأكيد أن التصور في التلفزات التونسية مقتبس من هذه التلفزات، فهل يمكن القول أن برنامج «المسامح كريم» تَوْنَسَ هذه النوعية من البرامج؟
ـ أجل «المسامح كريم» هو البرنامج الذي قام بـ»تونسة» هذه النوعية من البرامج، وكان في قلب المجتمع، وهذه فكرة باعث القناة، السيد العربي نصرة. فهذه المسحة التونسية للبرامج الاجتماعية أضفاها برنامج «المسامح كريم» عبر الولوج الى عمق المجتمع حتى ان تحضير الحصة الواحدة من البرنامج يدوم قرابة الاسبوع من الزمن.
* من مؤاخذات هذه النوعية من البرامج أنها فتحت باب التشهير بالناس في كثير من الحالات التي تتناولها أو تمرّرها؟
ـ أودّ توضيح معطى هاما، وهو أننا في برنامج «المسامح كريم» لا نمرر الا الحالات التي تريد ان تنشر قضاياها، وكل هذا يتم في نطاق القانون ويمضي الشخص الذي سيمر عبر البرنامج على وثيقة تؤكد رغبته أو ارادته نشر قضيته بالبرنامج، وفي الحالات التي نشعر فيها بأن هذا الشخص يحاول التشهير بغيره، نستعمل موسيقى خاصة لحذف ما من شأنه أن يؤخذ على أنه تشهير.
* لكن حتى في صورة الحذف فإن التشهير يحصل في المحيط الذي يعيش فيه الشخص المتحدث في البرناج؟
ـ هذه ضريبة تلفزيون الواقع.
* المعروف عن عبد الرزاق الشابي انه مقدّم برنامج «في دائرة الضوء» سابقا والمقدّم الحالي لبرنامج «المسامح كريم» وأنه امتهن الصحافة المكتوبة؟
ـ أجل فالتلفزيون يعرّف بالشخص، لكن قبل ان أكون مقدّم برامج تلفزية، كنت صحفيا في ميدان الصحافة المكتوبة، وكانت لي تجربة في اعداد البرامج التلفزيونية مع الزميلة هالة الركبي، حيث كنت معد وصحفي برامج «أحلى الأماسي» و»أرضي وفاء بالوعود» و»صباح الخير تونس»، ثم انسحبت من تلقاء نفسي لأنني شعرت بأنني لن أستطيع تقديم الاضافة.
وبالمناسبة أشكر الزميلة هالة الركبي لأنني بصدق استفدت من تجربتي معها.
* ألم تصلك عروض بعد هذه التجربة في الاعداد التلفزي؟
ـ بعد نهاية تجربتي مع هالة الركبي، اتصل بي المرحوم نجيب الخطاب وعرض علي العمل معه في منوعة السبت الشهيرة، معتقدا ان خروجي من برنامج «أرضي وفاء بالوعود» كان نتيجة خلاف بيني وبين هالة الركبي وكان عرض المرحوم بحضور طارق حرار وعبد الجبار البحوري وحسن غضبان. لكنني امتنعت عن خوض التجربة ووضحت للمرحوم نجيب الخطاب بأن علاقتي بهالة الركبي وثيقة وكبيرة وانسحابي من البرنامج كان من تلقاء نفسي، فاقتنع بموقفي.
* وكيف كان دخولك الى قناة «حنبعل»؟
ـ دخولي الى قناة «حنبعل» كان صدفة، حيث شاهدني السيد العربي نصرة كضيف في احدى الحصص بالقناة، فاقترح عليّ تقديم برنامج، فتقدمت بمشروع برنامج «في دائرة الضوء»، وها أني مقدم برنامج «المسامح كريم» حاليا.
* الصحافة المكتوبة كاختصاص، هل ساعدتك في تجربتك التلفزية؟
ـ أجل الصحافة المكتوبة يسّرت لي العمل في هذه البرامج التلفزية، اذ لم أجد صعوبة بتاتا في البحث عن الحالات التي مرّت عبر البرامج، كما ان الصحافة المكتوبة تجعلك تختصر المسافات في ميدان الاعلام المرئي وخاصة في مجال اعداد البرامج، هذا فضلا على ان العمل التلفزي أسهل بالنسبة للمختص في الصحافة المكتوبة.
* لاحظنا أثناء تقديمك لبعض الحالات في برنامج المسامح كريم انك تتأثر كثيرا الى حد الصمت أحيانا؟
ـ ما لا يعرفه المشاهد في «المسامح كريم»، ان الحصة الواحدة من البرنامج تتطلب ساعات  من التصور وذلك نتيجة الانقطاع الذي يحدث أثناء التصوير لأسباب عديدة منها أن مقدّم البرنامج لم يقدر على المواصلة وهذا من أسرار البرنامج، إذ ثمّة أحيانا شعور انساني كبير يجمع كل الفريق العامل بالبرنامج في بعض الحالات مثل حالة حسام التي ستشاهدونها يوم الجمعة المقبل (غدا)، حيث أن هذه الحالة أبكت كل فريق البرنامج وبلا استثناء وهذا نابع من ايماننا بمشاكل شريحة من الناس الذين هم بحق يعيشون معاناة كبيرة.
* لكن لاحظنا أيضا تأثرا كبيرا بالحالات (الايجابية) التي تعترف بجميل أو غيرها؟
ـ «المسامح كريم» دمعة وابتسامة، فهناك حالات تبكي المشاهد وهناك حالات تبعث فيه الأمل والحياة، مثل السيدة التي لم تتوان لحظة في قبول تربية ثلاثة معوقين وكانت مثالا للانسانة التي تكتنز القيم النبيلة.
* أنت تقدّم مشاكل الناس في «المسامح كريم»، فهل حياتك أنت خالية من المشاكل؟
ـ (ضاحكا) بصراحة سؤال طريف، لكن بصدق مقدّم «المسامح كريم» ليس له مشاكل، فحياته هادئة... وعلاقاته هادئة، والحمد لله أعيش بقناعة كبيرة وفي هدوء تام وعندما أشاهد الحالات التي تمرّ عبر البرنامج أقول، الحمد لله على كل شيء.
* لماذا تحرص دائما على ذكر هذه الجملة: «من هنا تبدأ الحكاية... من هنا تبدأ الرواية... من هنا يبدأ المسامح كريم...»؟
ـ هي بالفعل حكايات وقصص تروى في «بلاتو» «المسامح كريم»، ثم إنني أسعى دائما الى وضع بصمتي الخاصة في كل برنامج أقدّمه ففي برنامج «في دائرة الضوء» ارتبطت بنبض الشارع وعمق المجتمع.
* لمسنا تعاطفا كبيرا من ناحيتك تجاه الشيوخ أكثر من بقية الحالات الشابة إن صح التعبير، فلماذا هذا التعاطف أكبر مع هذه الفئة بالذات؟
ـ بالفعل أنا أتجاوب كثيرا مع أبائنا وأمهاتنا المسنين وأشعر بعطف خاص تجاههم، وهكذا أنا في الحياة، أحبّهم الى درجة كبيرة وأتألّم كثيرا عندما أكتشف معاناة بعضهم في «المسامح كريم».
* ما هي الصورة التي ظلّت عالقة بذهنك من قضيّة الزّوج الذي قتل زوجته سنية؟
ـ هدوؤه أثناء الكواليس، لكن عندما قمت بمناداته قصد الدخول الى الاستوديو تعثّر وكاد يسقط، كما أنه أثناء خروجه وتحديدا لحظة قام بنزع «الميكرو» (المصدح)، كاد يسقط مرّة أخرى وكان في حالة نفسية سيّئة جدا.
* وكيف هي طبيعة تعاملكم مع ادارة قناة حنبعل؟
ـ ليت الادارات التلفزية او بالاحرى مديري التلفزات على شاكلة مديرة قناة حنبعل، السيّدة «نجوى الرحوي» فهي في أجلى معاني الكلمة، عنوان البذل والعطاء.
* كلمة أخيرة؟
ـ أودّ الاشارة الى أن باعث القناة، السيد العربي نصرة، ليس فقط مستثمرا في مجال الاعلام بل هو اضافة الى ذلك أعطى جرعة كبيرة من الجرأة للاعلام المرئي، ثم ما لا يعرفه الناس عن باعث القناة، أنه يتفاعل كثيرا مع الحالات الانسانية التي تقدّم في مختلف برامج حنّبعل، واحقاقا للحق أجد الدعم المطلق منه.


* أجرى الحوار: وسام المختار

http://www.alchourouk.com