تونس (الشروق) :
أحيت الوثائق التي نشرها موقع «ويكي ليكس» الشهير والتي تضمنت حقائق عن الحرب التي تديرها الولايات المتحدة في أفغانستان، الجدل مجددا حول امكانية خروج قوات الاحتلال متعددة الجنسيات من المستنقع الأفغاني، بأقل الخسائر الممكنة.
وأعاد أيضا الى الاذهان حقيقة ان النصر الذي تزعم واشنطن الاقتراب منه، أمر بعيد المنال.
وواقع الأمر ان الادارة الأمريكية الحالية وجدت نفسها مرغمة على الاستمرار في خوض حرب تدرك جيدا انها لن تنتصر فيها، بشهادة كبار الخبراء العسكريين والاستراتيجيين.
وقد وجدت نفسها في ورطة فلا هي قادرة على الانسحاب ولا هي قادرة على الاستمرار في هذه الحرب، وبمعنى أدق انسحابها سيكون انكسارا للامبراطورية الامريكية، والبقاء انتحارا.
مقبرة للغزاة
وسبق للكاتب الأمريكي الشهير سيث جي جونز أن نشر كتابا أواخر العام الماضي تحت عنوان: «في مقبرة الامبراطوريات: حرب أمريكا بأفغانستان» استعرض فيه تاريخ الافغان في هزيمة الامبراطوريات التي غزت بلادهم منذ عام 330 قبل الميلاد، وصولا الى هزيمة وسقوط الاتحاد السوفياتي في الربع الاخير من القرن الماضي، لتجد الامبراطورية الأمريكية نفسها لاحقا في وضع مشابه ـ إن لم يكن أسوأ ـ مما كان عليه الاتحاد السوفياتي لدى غزوه أفغانستان».
وعمد سيث جي جونز الى نشر عرض تاريخي لهزائم الامبراطوريات التي غزت أفغانستان، ليقف على سؤال شديد الأهمية يتعلق بما اذا كانت الامبراطورية الامريكية قادرة على تحدي مجريات التاريخ في هذا البلد أم لا؟.
والكاتب يدرك الجواب سلفا لكن أراد بطرحه الوقوف عند حقيقة ما يحدث في المستنقع الأفغاني، وان قوات الاحتلال متعددة الجنسيات بقيادة أمريكا انما تسبح عكس التيار، وقد تنجرف كما انجرف الاتحاد السوفياتي الى كارثة حتمية.
ويرى جونز أنه وفي خضم ما ينشر من معلومات حول الحرب الدائرة منذ 2001 ثمة حقيقة تتجاهلها الولايات المتحدة او تتعمد التعتيم عليها، وهي ان حركة «طالبان» الأفغانية لم تهزم، بل قامت بإجراء تكتيكي بأن تراجعت لإعادة ترتيب صفوفها والتقاط أنفاسها أمام آلة الحرب الغربية الاكثر تطورا والأكثر ايذاء.
ويشير سيث جي جونز الى ان أمريكا حققت في البداية نجاحا عسكريا كبيرا، اعتقدت معه ان الحرب ستكون نزهة، متجاهلة الحقائق التاريخية او أخطأت قراءة التاريخ وتوهمت قدرتها على محو حركة «طالبان» من الوجود.
لكن الحرب لم تكن نزهة مع بداية عام 2002 ومع مرور كل يوم تغرق قوات التحالف في المستنقع الأفغاني رغم ان الحرب غير متكافئة.
هوس... وأخطاء
ويحدد جونز في هذا الاطار ثلاثة أمور يقول انها مثلت اخفاقات أثرت بشكل سلبي على هذه المهمة، أولها الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان بعد انهيار نظام طالبان، فالرئيس السابق جورج دبليو بوش دفعه هوسه بكسب الحرب في العراق الى الحفاظ على 8000 جندي لا غير في أفغانستان في عام 2002، وهو ما قال الكاتب انه أقل بكثير مما تتطلبه التحديات الامنية التي تواجهها أفغانستان.
أما المشكلة الثانية فهي حسب جونز الانهيار الفعلي للسلطة والحكم في أفغانستان، إذ لم يكن للسلطة المركزية اي تمثيل على مستوى المناطق الريفية وأجزاء واسعة من الجنوب، وبحلول عام 2005 لم تكن نسبة الأفغان الذين يحصلون على التيار الكهربائي تتعدى 6٪.
المعضلة الثالثة التي يبدو ان ادارة أوباما لم تركز عليها هي ان حركة طالبان لم تهزم وان تراجعها، تراجع تكتيكي لإعادة تنظيم صفوفها.
ويخلص جي جونز الى القول بضرورة ان تستخلص الادارة الامريكية الحالية العبر من دروس السنوات الماضية، وان لا تندفع هي ذاتها بهوس كسب الحروب اعتمادا على القوة العسكرية.
ويشير الكاتب على الرئيس الامريكي بضرورة تعزيز الجهود لتكوين وتقوية قوات الجيش والشرطة الأفغانية لمواجهة التحديات الأمنية وتخفيف الأعباء عن القوات الأمريكية تمهيدا للانسحاب.ؤ
http://www.alchourouk.com
