بنزرت ـ الشروق :
«لست الرجل الذي يتبنّى سياسة فرنسية لا يجد فيها مصلحة بلده، وبكلمة أخرى لست مضطرا لمغالطة شعبي واللجوء الى الكذب، لا أستطيع قبول ذلك وأخيّر قبول المواجهة...» بهذه الكلمات الحاسمة لخص الزعيم الحبيب بورقيبة مجال تضارب المصالح السياسية بين فرنسا وتونس أسبوعا واحدا قبل اندلاع أولى مواجهات معركة الجلاء، كلمات دوّى رجع صداها من بنقردان الى بنزرت وحتى قصر الايليزيه في ردّ واضح على موقف الرئيس «ديغول» بأن «فرنسا لا ترغب ولا تستطيع الخروج من بنزرت»... بدأت رحى المعركة تستعد للدوران ووسط تلك الاجواء السياسية والعسكرية المشحونة يلقي «بورقيبة» خطابا آخر مليئا بالتصميم على المواجهة... «يجب أن يعلم الجميع في تونس وفي فرنسا أو في أي مكان آخر بأن هذه المعركة جديّة وليست أكذوبة...» هكذا بدا بورقيبة أكثر اصرارا على خوض معركة الجلاء التام للقوات الفرنسية عن كل شبر من أراضي تونس بل كان يرى ان معركة بنزرت هي معركة كل الشعوب «معركة الحريّة ضد الاستعمار...».
لقد قطع بورقيبة بهذه الكلمات الشك من اليقين وكأنه أراد أن يقول إنه لا يناور هذه المرّة وأن المعركة آتية لا ريب في ذلك إذا لم تخضع فرنسا لمطلب جدولة سحب قواتها من القاعدة العسكرية ببنزرت...كان يعبئ الرأي العام الوطني ويحذر فرنسا ويهيئ الرأي العام العربي والعالمي لمعركة مصيرية قادمة، في تلك الأثناء كانت الصحافة العالمية ومنها جريدة «لوموند» الفرنسية ترجّح فرضية التوصّل الى حل سلمي لـ «أزمة بنزرت»...
وكان الرأي العام في تونس وفي فرنسا يتوقع أن تجد القيادة التونسية حلولا كما تعوّدت دائما في علاقتها بفرنسا، وخلافا لكل التوقعات اشتعلت جهة بنزرت بأسرها فكانت معركة في صيغة حرب... حاملات طائرات ومزنجرات، ودبّابات وقنابل حارقة و«نابالم» وضحايا بالآلاف، أشلاء ومقابر جماعية وجثث متعفنة ومحترقة... «كل الحروب قذرة، وحرب بنزرت أقذرها» بهذه الكلمات لخص «جون دانيال» مبعوث «لاكسبراس» الوضع الميداني في بنزرت في تلك الساعات، ليطرح اكثر من سؤال. لماذا؟ لماذا كان الرد الفرنسي عنيفا بذلك الشكل؟ وهل كان يمكن تفادي تلك المعركة؟ هل كان بمقدور بورقيبة تجنّب المواجهة أم أنها كانت «خيارا» أجبر عليه كما جاء في معنى كلمته التي أوردناها سابقا؟ وبأي معنى يمكننا الحديث عن تجنّب المعركة والحال أن فرنسا تنكّرت لاتفاقياتها السابقة ورفضت جدولة خروج قواتها من بنزرت؟ وهل كان لعلاقة بورقيبة بـ «ديغول» وبعبد الناصر وبالثورة الجزائرية الملتهبة دور في عدم تفادي معركة بدت حتميّة بكل المقاييس الوطنية والمغاربية والاقليمية وربّما حتى الدولية؟
هل كانت معركة الشعب كما سنرى لاحقا أم كانت معركة بورقيبة كما ذهب الى ذلك بعض المحللين؟
كانت المطالبة بجلاء كافة القوات الفرنسية عن كل شبر من أراضي تونس مسألة حيوية في فكر الرئيس بورقيبة ولم يكن ليتوان عن التذكير بذلك في خطبه العديدة وخصوصا في الذكرى الاولى والثانية لاحياء أحداث ساقية سيدي يوسف أو في البرلمان وخلال الندوات الصحفية.
وكان بورقيبة يعوّل من خلال كل ذلك على أن تلتزم فرنسا بجدولة انسحابها من بنزرت فهذه المنطقة ظلّت تحت الرقابة الاستعمارية بوجود قاعدة عسكرية بثكنات متعددة ومن منزل جميل الى منزل بورقيبة والماتلين يخيّل للزائر أن الأمر يتعلق بمقاطعة فرنسية قلبا وقالبا فالحضور العسكري خارج الثكنات والأعلام الفرنسية وصعود وهبوط الطائرات كلّها مشاهد كانت تغذي الانطباع بأن الحضور الفرنسي لا يزال قويّا.
وفي المقابل كانت فرنسا تماطل في الحديث عن أي عملية انسحاب من الأراضي التونسية وحتى لقاء بورقيبة بـ «ديغول» في «رومبويي» لم يسفر عن أي شيء يذكر.
وعلى الميدان كانت فرنسا تعزز حضورها من خلال مزيد تطوير البنية الأساسية ببناء مراكز للبريد وفضاءات تجارية جديدة للجالية الفرنسية، وبكلمة كانت تلك الاحداثات توحي بأن فرنسا لا تريد الخروج اطلاقا وهو انطباع ومؤشر التقطته القيادة السياسية في تونس لتضيفه الى السكوت الفرنسي عن أي حديث عن الانسحاب.
إنذار... فتحدّ
اضافة الى تلك الاحداثات «المدنية» كانت فرنسا في داخل ثكنة «سيدي أحمد» تجرى اشغالا لتوسعة المطار العسكري ولاضافة مساحة جديدة بعرض مترين على طول 200 متر عمدت الى تحريك الحواجز الحديدية المركّزة على الحدود الخارجية للثكنة لاجراء التوسعة اللازمة خصوصا وأنها كانت تنوي ادخال طائرات من نوع «سوبر سونيك» للخدمة بدل طائرات «الميسترال».وفي أوّل تصدّ لهذه العملية قامت قوات الحرس الوطني بإعادة الأسلاك الى مكانها الأصلي كان ذلك يوم 30 جوان 1961.وفي اليوم الموالي (1 جويلية) احتج القائم بالاعمال الفرنسي لدى الحكومة التونسية وفي مقابلة مع الباهي الادغم والصادق المقدم أخبرهما ان القيادة العسكرية الفرنسية ببنزرت تمهل الحكومة التونسية 48 ساعة لايقاف التصدّي لهذه الاشغال والا فإنها ستكون مضطرّة لاستعمال القوّة. هكذا كان هذا الانذار تحدّيا جديدا وعبثا حاول الباهي الأدغم اقناع القائم بالأعمال الفرنسي ان الاتفاق بين البلدين يقتضي الاحتفاظ ببنزرت لفترة من الزمن بحدودها المرسومة يوم 17 جوان 58 فإن وصول المفاوضات الى طريق مسدود أملت عليه الرجوع الى بورقيبة... ماذا سيفعل هذا الأخير... هل كان سيغمض عينيه أمام هذا الانذار الحازم المحدّد بمهلة 48 ساعة أم سيختار التحدّي كما قال في احدى خطبه؟
ديبلوماسية اللحظات الأخيرة
يوم 4 جويلية وبعد اجتماع المكتب السياسي للحزب يعلن عبد المجيد شاكر في ندوة صحفية، أن «الاجراءات التي تم اتخاذها تمثل نقطة انطلاق حقيقية لتاريخ تونس الحديثة... إن هناك ارتدادات موروثة عن الحقبة الاستعمارية البغيضة لا تزال موجودة الى الآن... وسيكنس الشعب التونسي ذلك في معركة أخيرة...» لتنطلق في نفس اليوم عمليات التعبئة العامة وبدأت الاجتماعات في الجهات وفي الاتحادات الجهوية للشغل وفي الجامعة وفي كل مكان في تأكيد واضح على أن القيادة السياسية قبلت التحدي وقبلت المواجهة. وبعد يومين فقط وفي مراوحة أرادها بورقيبة بين السياسي والديبلوماسي بين الضغط الشعبي والتلويح بامكانية الحل السلمي أرسل بورقيبة عبد ا& فرحات الى باريس محملا برسالة شخصية الى الرئيس «ديغول» يذكره فيها بأنه من حق تونس الحصول على استقلالها التام داعيا الى التعاون الاقتصادي كبديل للاحتلال مذكرا إيّاه بأنه في 22 جانفي 1930 وأمام التعنّت الفرنسي أعلن اندلاع الكفاح الوطني وكيف استجاب الشعب لذلك النداء، وبديبلوماسيته المعهودة يقول لـ«ديغول»، «إنكم تعلمون أنني غداة الاحتفال بالذكرى الثانية لأحداث ساقية سيدي يوسف أخذت على عاتقي ومسؤوليتي عدم ذهاب الشعب إلى أبعد مما ذهب إليه.. وذلك أملا في حل ودّي للمشكل (يقصد بنزرت)..»
وتتابع معاني المراوحة بين طلب السلم والتهديد باللاسلم إذا ما واصلت فرنسا رفضها تحديد جدول الانسحاب من بنزرت.
ويضغط من جهة أخرى عبد الله فرحات طالبا ردّا على الرسالة التي جاء محملا بها داعيا «الايليزيه» إلى مدّه بموقف يطمئن بورقيبة على أن فرنسا تريد حلاّ لأزمة بنزرت ولكن دون جدوى ويقول له ديغول «سنعلم الرئيس التونسي بموقفنا في الوقت الذي نراه مناسبا». كما ان موقف الحكومة الفرنسية كان واضحا «لا حلول تحت الضغط» في إشارة واضحة إلى أن المظاهرات وتجنيد المتطوعين لن تجدي نفعا وأن فرنسا ستحتفظ ببنزرت ولن تسلمها إلا في الوقت الذي تراه مناسبا، وفي ذهن فرنسا كانت هناك الجزائر والحرب الباردة ثم ان بنزرت التي يساوى وزنها ذهبا ليست مجرد مدينة إنها الموقع الوحيد الذي يشرف على ضفة المتوسط الجنوبية بشقيها الغربي والشرقي من جبل طارق إلى جنوب إيطاليا وشمال مصر وهي ببحيرتها تساوي وطنا بأكمله، في ذهن «ديغول» وسائر القادة العسكريين فإن بحيرة بنزرت التي قال عنها «جول فيري» «إنها تساوي تونس بأسرها» لا يمكن التفريط فيها بسهولة..
وفي المقابل لم يكن بورقيبة على استعداد لمزيد الانتظار ففي سائر المدن الداخلية كانت هناك اجتماعات تطالب بالاستقلال التام وكان ضغط اليوسفيين كبيرا وكان هناك اتهام مبطن لبورقيبة بأنه يراعي مصالح فرنسا أكثر مما يراعي مصالح الاستقلال التام وهو أمر بدأ يحدث شرخا كبيرا في الجبهة الداخلية للدولة الفتية أما على المستوى المغاربي فقد كانت هناك تلميحات وشيء من الغضب من الجزائريين على خلفية ايواء تونس لقاعدة عسكرية تستعملها فرنسا للهجوم على الثورة الجزائرية وكان بورقيبة يحس بحرج بالغ في هذا الجانب، أما على المستوى العربي فقد كانت الأمور سيئة للغاية فالجامعة العربية كانت واقعة في تلك الفترة تحت سيطرة فكرة الثورة العربية وشعارات عبد الناصر كانت تتهم بورقيبة بالخيانة وكانت ترى الاستقلال الداخلي خيانة للاستقلال التام المغاربي وهي الفكرة التي يجسدها صالح بن يوسف وبن بلة وعبد الناصر.. هكذا كان الوضع السياسي العام الذي دارت فيه رحى معركة بنزرت إلى الحدّ الذي يمكن أن ينجب معه أية مغامرة سياسية.. كان لا بدّ أن يحدث شيء ما، شيء يعيد الأمور إلى نصابها ويثبت ان نظريات بورقيبة في الكفاح الوطني وسياسة المراحل ليست لعبة أو أكذوبة «il ne s›agit pas d›un Bleuff» وها هو يقف أمام البرلمان يومين فقط قبل المعركة ليقول «لقد وصلنا إلى لحظة لا يمكننا بعدها الانتظار، وإذا ما قررنا استعادة المعركة فلأن جهودنا في التفاوض ذهبت سدى»..
بعد هذا الخطاب بيومين وصلت رسالة شفوية إلى بورقيبة (18 جويلية 1961 منتصف النهار والنصف) من الرئيس «ديغول» مفادها الجنرال «ديغول» يرفض مناقشة الانسحاب من القاعدة العسكرية ببنزرت». إلى هنا انتهى الكلام في السياسة وبدأ الكلام في الحرب.
معركة في صيغة حرب في تلك الليلة صدرت التعليمات السرية إلى الوحدات العسكرية الفرنسية المرابطة في الجزائر وفي البحر وفي بون بضرورة غزو بنزرت قبل يوم الجمعة مع منتهى الساعة الثامنة ليلا. ويوم الاربعاء صباحا يعلن ديغول في مجلس وزاري انه أعطى الأوامر للفيالق ووحدات المظليين للتوجه إلى بنزرت، هذا الأمر الذي تمّ الاعلان عنه في النشرات الاخبارية دفع السلطات التونسية إلى اتخاذ اجراء أدت نتائجه إلى انطلاق الشرارة الأولى لرحى المعركة.
ففي حدود الساعة الواحدة من يوم الاربعاء 19 جويلية تعلن الاذاعة التونسية البيان التالي: «لقد تلقت القوات المسلحة التونسية أمرا بقصف كل طائرة تخترق المجال الجوّي التونسي».. وانطلقت المعركة في ذلك اليوم بعد وصول 12 ألفا من القوات الفرنسية البحرية، وعدد كبير من قوات «اللفيف الأجنبي» وهي فرقة مكوّنة من قوات مرتزقة من جنسيات مختلفة، كانت متواجدة بالجزائر.. وبدأت طائرات الـ «Hercule» والطائرات المقاتلة وحاملة طائرات تصل تباعا إلى بنزرت تنفيذا للتعليمات الداعية إلى احتلال بنزرت في 3 أيام. وفتحت السماء باب الجحيم على القوات التونسية المكونة من بعض وحدات الحرس والجيش غير المدرب إضافة إلى تجهيزاته البسيطة وعلى المتظاهرين والمتطوعين الذين كانوا مسلحين بالمعاول والعصي وكانت تجهيزاتها بالكاد تكفي لحفر خنادق حول بعض المواقع العسكرية لترهيب العدو. بدأ الشهداء يسقطون تباعا وسجل اليوم الأول ما لا يقل عن 200 شهيد إضافــة
إلى آلاف الجرحى.. سقطت آلاف القنابل والصواريخ و«النابالم» على رؤوس الناس وكان المظليون وهم ينزلون يقصفون بالبنادق الآلية والرشاشات كلّ ما يتحرك لا يميزون بين صغير أو كبير وشيخ أو امرأة.
ولئن أعلنت القوات الفرنسية أن الاصابات في صفوفها لم تزد على 30 جريحا فإن ردّها في الموالي كان أعنف وأشد قسوة وضراوة فالآلة العسكرية تحركت بجهنمية بالغة ومدمرة أحياء سكنية بأكملها حيث كانت القنابل تنزل في كل مكان كالأمطار وتحرق كل شيء كالهشيم وكانت الطائرات وفق ما يرويه شهود عيان تقترب من جموع المتظاهرين والمتطوعين الذين كانوا يطالبون بالجلاء ويصوّب الجنود آليتهم نحوهم ويطلقون النار بهدوء بالغ.. تواصل القصف بلا هوادة وسقط الشهداء والجرحى بلا عدد (أنظر تقارير الصحافة العالمية حول ضحايا حرب بنزرت).
حلّ يوم الجمعة 21 جويلية ولم تسقط بنزرت كما خططت لذلك القيادة العسكرية الفرنسية.. ملكت المدينة من آليات الصمود ما لم تملكه فرنسا من آليات القتل والدمار.. الواحدة ليلا تتواصل المعارك ويتواصل الصمود 50 قتيلا سقطوا في نصف ساعة تقريبا أمام منبر «القيادة العسكرية» في منزل بورقيبة والقصف أصبح أكثر ضراوة والمدينة دمرت بنيتها الأساسية وصارت بلا ماء ولا كهرباء وكانت رائحة الموت في كل مكان والجثث متناثرة في كل ركن وشارع دون أن تقدر سيارات الاسعاف حتى على الوصول إليها ودون أن يقدر الأهالي على استرداد جثث قتلاهم ودفنها ومن الواضح ان فرنسا التي كانت تستعجل الزمن لبسط سيطرتها على المدينة في الوقت المحدّد انما كانت تهدف أيضا إلى تحطيم معنويات الشعب التونسي بالامعان في تقتيله وإذلاله.. في تلك اللحظات العصيبة التي كانت فيها المقاومة تندحر تحت الضربات الموجعة عاجزة عن الرد لضعف امكاناتها العسكرية ولكثرة الضحايا في صفوفها وفي الوقت الذي كانت القوات الاستعمارية تستعد لنشر قواتها في المدينة بعد قصفها يقرأ بورقيبة في خطابه الحماسي ذلك اليوم نصّ البرقية التي وجهها الى قادة المقاومة الشعبية وقوات الحرس الوطني:
«إن رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسحلة وفق الدستور يأمركم بالصمود بكل الوسائل لمنع احتلال المدينة من القوات الفرنسية. إلى الأمام، وفقكم اللّه» وكان لذلك الخطاب أثر بالغ في رفع المعنويات وقد جاء فيه أيضا: «إننا سندافع عن أرضنا شبرا شبرا مهما كان ميزان القوى لغير صالحنا».
شهدت المدينة ليلة الجمعة وإلى غاية يوم السبت مساء معارك شرسة وحرب شوارع حقيقية فمبنى الولاية تم احتلاله واستعادته لمرتين متتاليتين ولم تفلح القوات الفرنسية في احتلال المدينة ويواصل بورقيبة خطابه ليقول في قوة لا توصف: «على كل رجل يسمع ندائي أن يقاوم وأن يخيّر الموت على التفريط في شبر واحد من أرضنا»...
هكذا عادت المقاومة لتتجذر بقوة وظلت المدينة رغم المعارك الضارية التي دارت لأربعة أيام مقسّمة بين القوتين المتناحرتين فالمقاومة الشعبية وقوات الحرس بسطت سيطرتها على «المدينة العربي» وجزءا من المدينة «اللاتينية» (الجديدة) في حين بسطت القوات الفرنسية نفوذها على وسط المدينة وجزء من الاحياء الجديدة إضافة الى منطقة المصيدة وما بين ثكنة «سيدي أحمد» ووفق ما أفادت به تقارير صحفية أجنبية فإن يوم السبت كان داميا الى الحدود التي يمكن معها التأكيد أن عدد القتلى بلغ المئات في ذلك اليوم، لم يكن أمام الجنرال «أمان» غير نسف المدينة بأكملها حتى يتخلص من المقاومة التي لم تتراجع رغم الشهداء والخسائر والتضحيات، وكان لابد من حل سياسي وهو ما كان يوم الاحد على الساعة الواحدة ظهرا حينما أعلنت الحكومتان التونسية والفرنسية وقف إطلاق النار بناء على قرار مجلس الأمن.
«قوات الحرس»، أبطال الأبطال
لئن تميزت مختلف القوات الشعبية والنظامية بالقتال والاستبسال دفاعا عن بنزرت فإن قوات الحرس الوطني لعبت دورا محوريا في هذه المعركة بقيادة محجوب بن علي والحقيقة أن نقمة القوات الفرنسية على قوات الحرس كانت لا توصف فهي التي نجحت في تكبيدها خسائر كبيرة في العدة والعتاد ففي يوم 19 جويلية وعلى الساعة الواحدة والنصف نجحت قوات الحرس في إيقاف شاحنات نقل جند فرنسيين وبعد ذلك بساعتين كانت تلك القوات حاضرة لتتصدى لمروحيتين فرنسيتين كانتا تطيران على ارتفاع منخفض فوق تجمعات المتطوعين التونسيين كما نجحت قوات الحرس أيضا في إسقاط طائرة أخرى جنوب منطقة بنزرت وذلك بعد يوم واحد من نجاحها في التسلل الى تخوم قاعدة «سيدي أحمد» العسكرية الفرنسية عبر مجاري المياه محدثة اضطرابا بالغا في صفوف العدو، وفي كلمة كانت هذه المؤسسة الفتية أكثر استعدادا وتنظيما واستبسالا وأخذت شهرة بالغة بعد حرب بنزرت.
الديبلوماسية وقوة بورقيبة
أعطى وقف إطلاق النار مجالا أوسع للديبلوماسية لتتحرك بأكثر فاعلية ونجحت تونس في توفير النصاب اللازم تحضيرا لاجتماع الأمم المتحدة وجاءت برقيات المساندة والاشادة بالنضال البطولي في معركة الجلاء حتى أن إذاعة «روسيا» وصفت المعركة بأنها «ديان بيان فو» ثانية أو بالاحرى الهزيمة المخجلة الثانية لفرنسا وتتالت المواقف المساندة من المشرق من الجمهورية العربية المتحدة حيث قال عبد الناصر إن تلك الدماء التي سالت في بنزرت هي ذات الدماء التي سالت في قنال السويس»...
حصدت الديبلوماسية التونسية تأييدا واسعا وشهدت معركة بنزرت مساندة لم يكن أكثر المتفائلين ينتظرها. وفي الايام اللاحقة ليوم 21 جويلية بدأت بعض الترتيبات تأخذ طريقها كتبادل الاسرى الذي تم بإشراف الصليب الاحمر ومع ذلك واصلت القوات الاستعمارية تفتيش المنازل واحتلال بعض المواقع الجديدة وفي نفس الوقت واصلت مدينة بنزرت لملمة جراحها الغائرة... في كل بيت عزاء وقتيل أو جريح، عائلات بأكملها فقدت أكثر من ابن أو وليّ أو قريب وأجواء الحزن تخيّم على معظم الاحياء من المدينة العتيقة الى الاحواز ومدن الجوار... ماطر ـ منزل بورڤيبة ـ العالية ـ رأس الجبل ـ الماتلين... كانت ضريبة الصمود قوية وكان الوجع في كل مكان... بدأت عملية هجرة الشيوخ والنساء والاطفال تظهر على «البطاح» الذي بات أكثر اكتظاظا بمستعمليه من أولئك الذين بدؤوا يغادرون جحيم المعركة...
هكذا كان الامر على الصعيد الميداني وبالنسبة الى بورڤيبة فإن المعركة لم تنته بل نشطت الديبلوماسية التونسية ونجحت في تحديد يوم 21 أوت كموعد للنظر في الشكوى التونسية ضد فرنسا حول بنزرت وذلك بعد أن زار الأمين العام للأمم المتحدة بنزرت يوم 26 جويلية... شهر كامل مر على انطلاق المعركة، والاوضاع الميدانية لم تتحرك تماما والمظاهرات المساندة لبنزرت تنتظم يوميا وفي كل مكان، والجهة الوحيدة التي أنهكتها المعركة هي بنزرت فمعنويات الحركة الجماهيرية بدت في هبوط واضح وكان هناك اتجاه يدعو الى حقن الدماء وتفادي أي صدام مع السلط الاستعمارية وانتظار الحلول الديبلوماسية... في تلك الايام والساعات وفي 18 أوت بعد شهر كامل من انطلاق المعركة وبنزرت لاتزال جريحة يستغل بورڤيبة عقد «الاميرال أمان» ندوة صحفية (بحضور الصحافة العالمية) ويأمر بضرورة خروج الناس الى التظاهر في الشارع في محاولة لاحراج السلطات العسكرية إدراكا منه أنها لن تستطيع ضرب المدنيين في وقت يعقد فيه قائدها ندوة صحفية بثكنة «سيدي أحمد»... حدث هذا أيضا يومان فقط قبل اجتماع الأمم المتحدة.
الانتصار من رحم الهزيمة
وللاشارة فإن دعوة بورڤيبة هذه لتنظيم مسيرات في بنزرت لاقت معارضة تامة من قيادة الحزب ومن المقرّبين منه لأنها كانت أشبه بعملية انتحارية ولكن تصميم بورڤيبة كان أقوى وخرجت مسيرات تضم حوالي 50 ألف مشارك واستطاعت تلك الجموع الحاشدة اختراق الحواجز الامنية وقطع الاسلاك الشائكة والزحف بقوة الارادة وفي تحدّ كامل للآليات العسكرية الى أن وصلت المسيرات الى مقر الولاية رافعة شعارات «الجلاء... الجلاء» و«يحيا بورڤيبة»... ومرة أخرى يربح بورڤيبة الرهان، ويعيد لمعركة بنزرت ألقها وبريقها ففي لحظات الضعف والانهيار تبرز قوة القادة كالعنقاء من تحت الرماد، ليسجل التاريخ أن أولئك الرجال مرّوا من هنا... هل كانوا على صواب أحيانا؟... ربما... هل كانوا على خطإ أحيانا أخرى؟... ربما. ولكن الاكيد أنهم أوقفوا عجلات التاريخ لحظات ليقولوا «إننا هنا».


معركة بنزرت في تواريخ


ـ 30 جوان 1961: قوات الحرس الوطني تتصدى لأشغال توسعة مهبط الطائرات بثكنة سيدي أحمد.
ـ 1 جويلية 1961: احتجاج من القائم بالأعمال الفرنسي على ذلك العمل يولد بداية أزمة ديبلوماسية بين البلدين حول بنزرت.
ـ 3 جويلية: اجتماع جهوي في بنزرت يشرف عليه الباهي لدغم لدراسة الوضع.
ـ 4 جويلية: عبد المجيد شاكر يعلن قرار الحزب بتطهير البلاد من الوجود الاجنبي وانطلاق عمليات التعبئة.
ـ 6 جويلية: عبد الله فرحات يحمل رسالة شخصية من بورقيبة الى «ديغول» حول الازمة... رسالة لم تأت بالجديد.
ـ 10 جويلية: والي بنزرت يراسل القائد العسكري الفرنسي طالبا عدم ظهور الجنود الفرنسيين بالمدينة وهو ما تم فعلا.
ـ 13 جويلية: فرنسا تعلن رفض المفاوضات تحت التهديد.
ـ 14 جويلية: بورقيبة يخطب أمام 100 ألف متظاهر ويؤكد على ضرورة الجلاء.
ـ 18 جويلية: ديغول يعلن رسميا عدم استعداد فرنسا للتفاوض حول الانسحاب من بنزرت.
ـ 19 جويلية: انطلاق المعارك وسقوط 50 تونسيا (قتيلا وجريحا) و30 جريحا فرنسيا.
ـ 20 جويلية: تواصل المعارك وسقوط مزيد من الجرحى وارتفاع عدد القتلى الى أكثر من 200.
ـ 21 جويلية: بورقيبة يحث على الاستبسال في القتال وفرنسا تكثف قصفها للمدينة وعدد القتلى يتضاعف. هذا اليوم شهد حرب شوارع حقيقية.
ـ 22 جويلية: صدور قرار عن مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بعد أن كان ذلك اليوم هو الأكثر دموية في المعركة.
ـ 25 جويلية: وصول الأمين العام للأمم المتحدة الى بنزرت.
ـ 21 أوت 1961: عقد اجتماع في الأمم المتحدة للنظر في قضية بنزرت ينتهي بإصدار قرارات لفائدة تونس.


من ضحايا حرب بنزرت: استشهاد الرائد البجاوي واصابة «جون دانيال»


رغم الاختلافات الكثيرة بين المؤرخين وبين الروايات الرسمية التونسية والفرنسية وما أورده شهود عيان فإن الارقام تشير الى أن العدد الجملي لضحايا حرب بنزرت بلغ 670 شهيدا و1115 جريحا، ووفق احصائيات أخرى ومنها كتاب أصدره حسن مرزوق الذي كان ضابطا في الحرس ساعتها فإن عدد الضحايا بلغ 7 آلاف شهيد.
وتأكيدا على ضخامة العدد فإن صحفيا سويديا أورد ما يلي في مراسلته عن الحرب «لا أحد يمكنه أن يعرف عدد القتلى ففي كل يوم وكلما اقتحم بيت الا ووجد بداخله أموات، لقد أحصى أحد الضباط 200 قتيل مدني في موقع واحد وفي يوم واحد فقط... لا أحد يعرف العدد...»
وأضاف أيضا... «في مقبرة المسلمين كان المشهد مرعبا... كانت هناك صفوف م

http://www.alchourouk.com