* تونس ـ الشروق :
صباح الأحد الماضي، نزل عادل الى سوق السيارات بالمروج (أحواز العاصمة) على أمل شراء سيارة مستعملة... كان ذلك الأحد هو الرابع في عدد الزيارات التي أدّاها عادل الى السوق لكن حلمه لم يتحقق لسبب بسيط: الأسعار من نار... وحتى الاتصالات الهاتفية المتكررة التي أجراها مع أصحاب اعلانات بيع السيارات في الجرائد تنتهي به دوما الى غلق الخط عندما يسمع السعر...
حيرة عادل ليست الوحيدة، فعدد كبير من التونسيين يتألّمون اليوم في صمت بسبب عجزهم عن شراء سيارة سواء جديدة أو مستعملة والسبب هو ارتفاع الأسعار...
ارتفاع في أسعار السيارات الجديدة وشروط مجحفة في قروض السيارات أدّى الى هروب الناس الى سوق السيارات المستعملة، فالتهبت في هذه الأخيرة الأسعار. ورغم كل التقلبات المسجلة في الأسواق العالمية للسيارات ورغم كل ما قيل عن دخول القطاع في أزمة خانقة وعن اتخاذ أغلب مصنعي السيارات اجراءات تشجيعية لحث الناس على الشراء ومنها خاصة تخفيض الأسعار، ورغم كل ما قيل عن إلغاء المعاليم الديوانية عند دخول السيارات الى تونس وعن اتفاقية التبادل الحرّ مع أوروبا. إلا أن الصورة ما فتئت تظهر في تونس ـ حسب المواطنين ـ مقلوبة على رأسها تماما: ارتفاع صاروخي في الأسعار من 2007 الى 2008 الى 2009 ...  لماذا هذه الصورة في تونس؟ وكيف ينظر إليها المواطن وإلى ماذا يطمح كبديل عنها؟
تساؤلات عديدة تنضاف الى تذمّرات أخرى من ارتفاع التكاليف الأخرى للسيارة على غرار سعر الوقود وسعر التأمين ومعاليم الجولان وأسعار قطع الغيار وسعر البطاقة الرمادية وأسعار الصيانة والزيوت...
وضعية عبّر عنها مهدي بالقول إن «قطاع السيارات في تونس محاصر من جميع النواحي».
«حاجة كبيرة»
«تونس هي البلد الوحيد الذي مازال يعتبر السيارة «حاجة كبيرة» والحال أنها في أغلب دول العالم بما فيها الدول المجاورة كليبيا والجزائر والمغرب ومصر وفي دول نامية أخرى مجرّد سلعة عادية كبقية السّلع» بهذه الكلمات تحدث عادل غاضبا، وهو الذي قضى شهرا كاملا بحثا عن سيارة مستعملة مناسبة لامكاناته المادية، لكن دون جدوى. أما فتحي فيعتبر أن السيارة بمثابة «عائلة ثانية تتطلب مصاريف كثيرة بقطع النظر عن سعرها... فمعاليم الوثائق باهضة جدا مقارنة بمداخيل التونسي اضافة الى سعر الوقود الذي مازال بدوره من نار رغم انخفاضه في أغلب دول العالم... وهذا ما جعلني غير قادر على شراء سيارة رغم أني وعائلتي نحلم بها... لكن...».
تكاليف
ما قاله فتحي يدفع الى التساؤل عن أسباب فرض معلوم استهلاك على السيارة يتراوح بين 10 و88 وأداء على القيمة المضافة بـ 18 وأيضا معلوم 80 أو 100د على استخراج البطاقة الرمادية ومعلوم 60 و120د على «الفينيات» والذي ينضاف له معلوم 150د بالنسبة لسيارات المازوط اضافة الى الأسعار المشطة للتأمين ... «لو كانت هذه التكاليف منخفضة فإن سعر الشراء قد يهون حتى وإن كان مرتفعا، لكن أن نتحمّل كل هذا من أجل سيارة، فهذا غير ممكن».
يقول عادل موضحا إن السيارة لم تعد منتوجا فاخرا (Produit de luxe) في أغلب الدول، الا في تونس حيث مازلنا نعاني من ذلك مما جعل أسعار البيع من نار وكذلك المعاليم الموظفة عليها.
مغلقة
يعتبر المختصّون أن سوق السيارات في تونس مغلقة بشكل كبير وفيها قيود عديدة... ويتضح ذلك من خلال منتديات النقاش على الانترنات حول سوق السيارات والتي يتساءل فيها التونسيون عن أسباب فرض شرط الثلاث سنوات كسنّ قصوى لامكانية توريد سيارة من الخارج والحال أن السيارة تبقى في «صحة جيّدة» حتى بعد سن 7 أو 8 سنوات، وقد يمكّن ذلك كثيرين من امتلاك سيارة بأسعار معقولة عن طريق التوريد.
ويظهر هذا القيد (سن 3 سنوات) في شروط الاقراض بالنسبة للبنوك أو صناديق الضمان الاجتماعي، حيث لا تُمنح قروض السيارات الا للجديدة أو التي لا يفوق سنها 3 سنوات وهو شرط غلق باب امتلاك سيارة في وجوه كثيرين خاصة بسبب غلاء أسعار السيارات التي لا يتجاوز سنها 3 سنوات وعدم توفر شروط الحصول على قرض لدى كثيرين وهذا ما يدفع أيضا الى التساؤل عن أسباب فرض هذا الشرط ولماذا لا يقع التمديد فيه الى 5 أو 6 سنوات.
أوروبية
يبلغ عدد السيارات اليوم في تونس حوالي 1.3 مليون سيارة مختلفة منها 106 الاف سيارة شعبية... غير أن نسبة هامة من هذه السيارات هي أوروبية (80 تقريبا) وخاصة فرنسية (رينو ـ بيجو ـ سيتروان) وايطالية (فيات) وألمانية (فولسفاقن وأوبال) اضافة الى الفورد.
ويعتبر المختصّون أن اقتصار سوق السيارات في تونس على الماركات الأوروبية ساهم في تواصل ارتفاع الأسعار نظرا لغياب المنافسة مع ماركات أخرى خاصة الآسياوية (يابانية ـ صينية ـ كورية ـ هندية..) التي تتميز بأسعارها المتدنية، وهو ما يمكن ملاحظته مثلا في ليبيا أو الجزائر حيث تباع هذه الماركات بأسعار معقولة ومناسبة للمقدرة الشرائية للمواطن وهو ما ذهب إليه حسن (موظف) معتبرا أنه «آن الأوان لتنفتح سوق السيارات في تونس على كل الماركات العالمية لأن التنافس يخلق أسعارا منخفضة في متناول الجميع».
وتبرّر الجهات الرسمية هذا التوجه شبه التام نحو الماركات الاوروبية بالقول إن ذلك يفرضه العمل بمبدإ «المقابل الصناعي» (contre partie industrielle) وهو ما ذكره ذات مرّة وزير الصناعة التونسي موضحا ان ذلك هو خيار حكومي فرضه التصنيع المكثف لقطع الغيار ومكونات السيارات  (الأوروبية) في تونس الذي يمكن من توفير آلاف مواطن الشغل للتونسيين وفي المقابل تلتزم تونس بشراء أغلب السيارات من هذه الدول.
ارتفاع
يستغرب التونسيون اليوم من تواصل ارتفاع أسعار السيارات الجديدة عند شرائها من وكلاء التوزيع المعتمدين في تونس والحال أن أغلب الماركات أعلنت منذ نهاية السنة الفارطة وبداية السنة الحالية عن تخفيضات في الأسعار حتى تُجابه الأزمة المالية العالمية...
«في كل مرّة نقول إنها ستنخفض لكن نفاجئ من سنة الى أخرى بالتهاب الأسعار الى درجة أن الفارق في الأسعار بين السنة والأخرى يصل الى 2000د وأكثر وهو ما جعل التونسيين يشكّون في الأمر خاصة عند سماع انخفاض الأسعار عالميا».
يقول حسام مضيفا إنّ الحلّ يبقى ـ ولو نسبيا ـ في السيارات المستعملة، لكن لا يجب أن ننسى أن ذلك يؤثر على جودة السيارات في تونس حيث ستكثر بذلك السيارات القديمة وتقل السيارات الجديدة ويتأثر بذلك كل شيء مثل ارتفاع استهلاك الوقود والتلوث والحوادث وتعطّل عدّة مصالح اقتصادية عكس ما كان سيحصل لو أن الجميع أو نسبة هامة منهم يملكون سيارات جديدة... إذ تقول بعض الاحصائيات إن السيارات التي يفوق سنها 10 سنوات تمثل أكثر من 80 من العدد الجملي للسيارات في تونس.
عكس ما نلاحظه مثلا في ليبيا حيث أن المعدل العام لامتلاك سيارة هناك لا يفوق 3 سنوات ثم يقع تغيير السيارة بأخرى جديدة وتبرّر الجهات الرسمية هذا الارتفاع في أسعار السيارات الجديدة بأن ما فرضه هو ارتفاع سعر الأورو مقارنة بالدينار (1 أورو يساوي حوالي 1900 مي) وهو ما يجعل الاسعار ترتفع عند التوريد الى حوالي الضعف مقارنة بما هي عليه في أوروبا.
TVA... ومعلوم استهلاك
بعد إلغاء المعاليم الديوانية على توريد السيارات، بعد بداية العمل بإتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي، أصبح توريد السيارات خاضعا للمعلوم على الاستهلاك الذي يتراوح بين 10 (سيارات 4 خيول بنزين) و88 (سيارات ازوال سعة اسطوانتها أكثر من 2500صم3).... وينضاف لهذا المعلوم الأداء على القيمة المضافة وهو في حدود 18 لكل أنواع السيارات بما يجعل الضغط الجبائي عند التوريد من طرف الوكلاء يتراوح بين 24 و125 لكل أنواع السيارات... وهذا ما يساهم في مزيد ارتفاع الأسعار اذا ما انضاف له ارتفاع سعر الأورو مقارنة بالدينار التونسي.
ورغم أن مجابهة انخفاض سعر الدينار التونسي مقارنة بالعملات الأجنبية غير ممكن عمليا، لعدّة اعتبارات، إلا أنه يمكن إيجاد بعض الحلول لتخفيض أسعار السيارات في تونس من خلال تخفيض معاليم الاستهلاك ومعلوم الأداء على القيمة المضافة ولو نسبيا حتى تتعقلن الاسعار شيئا ما وتهدأ معها أسعار السيارات المستعملة ولا يعود امتلاك سيارة في تونس حلما.


* فاضل الطياشي
* صور طارق سلتان

http://www.alchourouk.com